كوريدا ..
كوريدا
و يندفع الثور نحو الرداء
قويا .. عنيدا
و يسقط في ساحة الملعب
كأي شهيد
كأي نبي
و لا يتخلى عن الكبرياء
.
هذه قطعة من الشعر الرديء كان نزار قد كتبها و عرضها للبيع مع مجموعة أخرى أكثر رداءة مقابل بضعة ليرات لبنانية .. و الديوان كله اسمه :
الرسم بالكلمات .
كان نزار يعتقد أنه اكتشف بعدا شعريا جديدا .
و قد أنشأ دارا لنشر مطبوعاته بنفسه , و زوّدها بورق ألماني الصنع اسمه (( هولتز فراي )) لكي يعرف باقي الشعراء أن الورق الألماني الذي لا تدخل في صناعته نشارة الخشب أكثر جدوى في عرض الشعر للبيع .
و قصائد الديوان مهزلة في أغلب الأحوال :
و يندفع الثور نحو الرداء
قويا .. عنيدا
و يسقط في ساحة الملعب
كأي شهيد
كأي نبي .
و السؤال المحزن أين يسقط الثور إذا لم يسقط في ساحة الملعب ؟ و لماذا يكون الثور نبيا ؟ و ما معنى أنه لا يتخلى عن الكبرياء ؟ . و ما جدوى الشعر في نهاية المطاف إذا كان نزار لا يجد شيئا يقوله سوى هذا السرد الإنشائي ؟
أجل ما جدوى الشعر ؟ و ما أكثر الأسئلة :
يا آخر امرأة .. تحاول
أن تسد طريق مجدي
أتهددين بحبك الثاني
و زند غير زندي ؟
هذا الذي يسعى إليك الآن
لا أرضاه عبدي
.
و لا أدري هنا إذا كان (( العبد )) يرضى بأن يقول هذا الشعر الفظيع , و لكن المرء لا بد أن يسأل نزارا عما تعنيه " يا آخر امرأة " . فلعله كان يعرف أنه سيموت قبل أن تهجره امرأة أخرى , أو لعله كان يقصد : " يا أحقر امرأة " , و أرغمه الوزن على ابتلاع القاف , فالوزن - في العادة - يرغم الشعراء على ابتلاع كثير من الأشياء المدهشة .. و لكن ما علاقة ذلك بطريق المجد , أعني كيف تسد تلك السيدة طريق المجد أمام نزار إذا هجرته و ذهبت مع أحد العبيد ؟
الإجابة قضية اسمها : لغة الحديث المباشر , و هي قضية ذات تاريخ حافل بالنقاش و النزق , و ليس ثمة شك في أن نزار كان يتبناها عبر هذا الديوان محاولا أن يعيد بيعها بعد التخفيض .
فدعونا ننال حاجتنا من هذه البضاعة :
حاذري أن تقعي بين يديا
إن سّمي كله في شفتيا
حاذري أن ترفعي السوط..
ألم
تركبي قبل .. حصانا عربيا
أنا شمشون .. إذا أوجعتني
قلت : يا ربي , عليها , و عليا .
و هذا الثلاثي الرهيب من الثعبان و الحصان و شمشون يتجمع هنا ليقول لتلك الفتاة البائسة إن عليها أن تتجنب إزعاج نزار , فما جدوى الشعر في نهاية المطاف ما دام المرء عاجزا عن مجاراة الأبعاد الحقيقية لرؤية الخلق الفني .
لم يكن نزار عاجزا عن شيء , و لكنه كان يعيش قضية فاسدة :
تريدين مولى ..
يقول: ((أحبك )) عند الصباح
يسبح باسمك كالببغاء
يقول: (( أحبك )) عند المساء
و يغسل بالخمر رجليك
يا شهرزاد النساء .
و نزار العجوز لم يكن يعرف أن أحدا لا يغسل رجليه بالخمر , لأنها تحرق الجلد مثل أي مادة حامضة , و لأن الخمر بضاعة رخيصة كريهة الرائحة لن يرضى أي فلاح قبرصي بأن يضعها فوق قدميه الحافيتين , و لكن ماذا تعني (( شهرزاد النساء )) ؟ فالعالم لا يعرف هذا الرمز , و شهرزاد فتاة بائسة كانت تحاول إنقاذ عنقها بتلفيق الحكايات , و لم تكن تريد أن تنال شيئا آخر سوى حياتها . فهل صنع نزار ((شهرزاد)) أخرى من ورق الهولتز فراي ؟
و ما جدوى الشعر في نهاية المطاف ؟ :
لا تقبلني بعنف
زهرة الرمان ليست تتحمل
لا تقبلني
فلو ذاب فمي
ماذا ستفعل . ؟
و (( زهرة الرمان )) زهرة خشنة مثل زعنفة أحد الأقراش , شاحبة اللون , قبيحة , محزنة لا يليق أن يتخذها المرء رمزا لشفتي دب مصاب بالحمى ... و لكن نزار لم يكن يعرف ذلك , و لم يكن يعرف أن الورق الألماني وحده لا يكفي .
كان نزار يجهل أشياء كثيرة .. و أنا أكره أن أواصل هذا النقاش المحزن الذي لن يقود
في النهاية إلى شيء , فالديوان مليء بالأخطاء , و أبعاده الفنية قاصرة إلى حد مدهش , و معظم القصائد تعرض حالة من العقم لا يمكن احتمالها .
و لكن ماذا حدث ؟
و لماذا تروط نزار في هذه المهزلة , فقد كان قبل ذلك شاعرا منقطع النظير في تحقيق الأبعاد النهائية لرؤيته و كان وحدة فنية كاملة متفردة بأصالتها بين كل الشعراء في كل اللغات و في كل العصور ؟
نزار تطوع بهذه الإجابة :
الجنس كان مسكنا جربته ----- لم ينه أحزاني و لا أزماتي
و الحب أصبح كله متشابها كتشابه الأوراق في الغابات
مارست الف عبادة و عبادة فوجدت أفضلها عبادة ذاتي
و لعل (( عبادة الذات )) تعني أن يتشيء المرء لنفسه مطبعة و يصنع دواوين الشعر الحمراء الغلاف مقابل بضعة ليرات لبنانية أو ما يعادلها .
و لكن نزار ما يزال يملك إجابة أخرى أكثر إقناعا :
الناس في بلادنا السعيدة لا يفهمون الشاعرا
يرونه مهرجا يحرك المشاعرا
يرون قرصانا به
يقتنص الكنوز .. و النساء .. و الحرائرا
يرون فيه ساحرا
يحول النحاس في دقيقة
إلى ذهب
ما أصعب الأدب !
فالشعر لا يقرأ في بلادنا لذاته
فكل ما يهمنا من شعر هذا الشاعر
ما عدد النساء في حياته ؟
و هذه قضية جيدة الصياغة لإيجاد تعبير أكثر تهذيبا عن كلمة (( الخيبة )), فليس ثمة شك أن نزارا عاش تجربة محزنة من الرفض , و قد رفضه كبار السن قبل كل الناس و نسيه الصغار , و انقسم النقاد في شأنه ثم نسوه أيضا , و رغم ما فعلته (( نجاة الصغيرة )) من أجله فقد ظلت حالة الرفض قائمة , و اضحة شديدة الصلادة مثل جدار من الجليد الأسود , فطفق نزار يصرخ بملء رئتيه :
أعطيت هذا الشرق من قصائدي بيادرا
علقت في سمائه النجوم و الجواهرا
ملأت يا حبيبي
بحبه الدفاترا
و رغم ما كتبته
ترفضني المديتة الكئيبة
تلك التي سماؤها لا تعرف المطر
و خبزها اليومي .. حقد و ضجر .
و أنا أقول : أجل , إن نزار قد رفضته المدن الكئيبة , و قتلت موهبته , و لكنها أعطته الشهرة التي يلهث وراءها صغار الرجال بلا توقف , و تركته يقع في الفخ متطوعا و يحكم الحبل حول عنقه .
فالشهرة عدو حسن الملامح لظروف الخلق الفني في كل العصور .
و الشهرة سلم من القش لا يصلح للصعود , و لكن ما أسهل أن يسقط المرء من أي سلم من القش .
و إذا سقط نزار , فماذا يبقى للمدن الكئيبة ! .
مع تحياتي
( الحسن بن هاني . أبو نؤاس , للأصدقاء فقط )
"شكرا لك":
*